نشرة الدورية

للاشتراك، أدخل بريدك الإلكتروني

التعلق فى المراحل الأولى من عمر الطفل
التعلق فى المراحل الأولى من عمر الطفل

* التعلق Attachment:
كان علماء النفس الاجتماعي حتى الستينيات من القرن الماضي يقحمون مفاهيم مختلفة ومتعددة على مظاهر التربية الأسرية وقد تعرضت أغلب تلك المفاهيم وما تعتمد عليه من نظريات إلى النقد العلمي القائم على البحث التجريبي، ولم يقف الناقدون موقفاً سلبياً من تلك المفاهيم بل صاغوا بدائلها العلمية الصحيحة ومثال ذلك مفهوم التبعية الذي بدأ يختفي من الدراسات المعاصرة ليفسح المجال لمفهوم التعلق.

كان مصطلح التبعية هو المصطلح السائد في أبحاث ودراسات التربية الأسرية حتى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، وترجع نشأة هذا المصطلح إلى موراي Murray الذي عرفه سنة 1938 على أنه اعتماد الفرد على مساعدة الآخرين إلى الحد الذي يصبح فيه هذا الاعتماد هدفاً يسعى الفرد لتحقيقه.

ولذلك فغالبا ما تؤدي التبعية إلى ضعف ثقة الفرد بنفسه، والتبعية من هذه الوجهة صفة مهينة.
وتنشأ التبعية من تطور اعتماد الفرد على غيره في تحقيق حاجاته الفسيولوجية إلى اعتماد الفرد على غيره في تحقيق حاجاته النفسية، ولذا تعد حافزاً ثانوياً . ولقد أثبتت الأبحاث بعد ذلك خطأ هذه الفكرة وأن اعتماد الفرد على فرد آخر في إشباع حاجاته الفسيولوجية لا يتطور، في الأغلب والأعم إلى الاعتماد على نفس الفرد السابق في إشباع الحاجات النفسية.
ويرجع الفضل إلى بولبي Bowlby سنة 1958 في نقده لمصطلح التبعية وفي دعوته إلى استخدام مصطلح التعلق بدلاً منه. وذلك لأن الأساس النظري لمصطلح التبعية أساس خاطئ. وأن التعلق يعتمد على مفهوم العلاقات المتبادلة، وهو مفهوم رئيسي ومن أهم مفاهيم علم النفس الاجتماعي. وأنه كما يتعلق الطفل بأمه فإن الأم أيضا تتعلق بطفلها. والتعلق بهذا المعنى ظاهرة سوية، وعندما نصف أفراد جماعة ما بأن كل فرد منهم يتعلق بالفرد الآخر فإننا بذلك نصف تلك الجماعة بالتماسك والألفة والتعاطف. ويقرر بولبي إلى أن الفرد خلال مراحل نموه من طفولته إلى رشده يتعلق ببعض الأفراد، أي يسعى دائماً لأن يكون بمقربة منهم، وينفصل أيضا عن أفراد آخرين أي يتباعد عنهم حتى تتخذ تنشئته وجهتها السوية.

لتعلق فى المراحل الأولى من عمر الطفل

* معنى التعلق:
التعلق من أهم مظاهر التنشئة الأسرية، ويعرف بأنه السعي للتقرب من شخص آخر والميل للمحافظة على هذا الحوار عندما يتحقق. ويتعلق الطفل بأمه ليتقي بذلك المخاطر وليحصل على الطمأنينة التي يحتاجها والأمن الذي يرجوه.
وكما يتعلق الطفل الإنساني بأمه تتعلق أيضا صغار الرئيسيات أو الثدييات العليا بأمها، ويختلف تعلقها عن تعلق الإنسان في أنه يبدأ مبكرا جدا في حياة تلك الصغار. ومن أهم مظاهر التعلق عند الحيوانات ميل الصغار إلى تتبع أمهاتها وخاصة عند أفراخ البط حيث تسير في خط وراء أمها، والميل إلى الالتصاق بالأم كما يبدو وذلك عند القردة.
ويدل التعلق على علاقات اجتماعية متبادلة بين الطفل وأمه في بدء حياة الطفل. وكما يتعلق الطفل بأمه تتعلق الأم أيضا بطفلها، كما يسعى لجوارها تسعى هي لجواره، أي أن العلاقة بينهما علاقة متبادلة. وينطو التبادل على تفاعل ودينامية. ثم يتطور التعلق وتتسع آفاقه خلال مراحل الحياة ويصبح في كثير من نواحيه الدعامة الأولى لكثير من مظاهر الجماعة الصغيرة، ومثال ذلك التماسك الجماعي. وأغلب ما تسفر عن ديناميات التفاعل الجماعي. من أجل هذا أصبح التعلق من أهم مظاهر التربية الأسرية.
ومن أهم التجارب التي تؤكد دور القرب والحوار في التعلق البحث الذي أجرى على مظاهر سلوك حمل صغير فصل عن أمه لمدة ستة أسابيع ووضع بجوار جهاز للتليفزيون ظل يبث برامجه طوال الوقت. وبعد مضي تسعة أسابيع على انفصال الحمل عن أمه أبعد جهاز التليفزيون من جوار الحمل، فاصطبغ نشاطه بعد إبعاد التليفزيون بسلوك الباحث عن شىء ما، وعندما وجد الحمل التليفزيون اقترب منه في رضا. وفي تجربة أخرى عاشت جماعة من الحملان بالقرب من كلب يفصلها عنه شبكة حديدية حتى لا ينشأ بينهما تفاعل نتيجة للاتصال البدني. وبذلك أصبح الكلب موضوع التعلق. وقد أصبحت علاقة الحملان بالكلب قوية بحيث أن الحملان كانت تتبعه بعد ذلك في أي مكان يرتحل إليه.
وقد لاحظ الباحثون أيضا أن الحملان الصغيرة اليتيمة التي تنشأ مع الراعي تتبعه أين يذهب ولا تختلط بالحملان الأخرى إن وجدت معها بعد ذلك.

التعلق فى المراحل الأولى من عمر الطفل

* أنماط التعلق:
سبق أن بينا أن أهم أنماط التعلق عند الحيوانات هما السير وراء الأم كما يحدث ذلك عند أفراخ البط، والالتصاق كما يحدث ذلك عند القردة.
وقامت إينزورس Ainsworth سنة 1967م بدراسة ميدانية لعينة من الأطفال الأوغنديين منذ ولادتهم حتى بلغ عمرهم خمسة عشر شهراً. وكانت الباحثة تزور العائلات التي اختارتها لبحثها كل أسبوعين. وأعدت قوائم الملاحظة لتسجيل المظاهر المختلفة للتعلق. وانتهت الباحثة بعد تسجيل لملاحظاتها ومقابلاتها إلى تحديد ستة عشر نماط للتعلق نبينها فيما يلي:
1- الصراخ الفارق: يصيح الطفل عندما يحمله شخص آخر عير أمه ويكف عن صياحه عندما تحمله أمه.
2- الابتسام الفارق: يبتسم الطفل لأمه في تفاعله معها أسرع وأكثر مما يبتسم للآخرين في تفاعله معهم.
3- المناغاة الفارقة: يناغى الطفل أمه غى تفاعله معها أسرع وأكثر مما يناغى الآخرين في تفاعله معهم.
4- التوجيه البصرى الحركى: عندما يبتعد الطفل عن أمه ويبقى في مكان يمكن أن يراها منه فإنه يتجه ببصره باستمرار نحوها.
5- استجابات الترحيب: عندما تعود الأم بعد غيابها فإن الطفل يبتسم مرحباً بها في نشوة.
6- رفع الذراعين للترحيب: يرفع الطفل ذراعيه تجاه أمه مرحباً بها بعد عودتهما من غيابها.
7- التصفيق باليدين للترحيب: قد يصفق الطفل بيديه بدل أن يرفع ذراعية.
8- الصراخ عند رحيل الأم: يصرخ الطفل في احتجاج عندما ترحل الأم من مجاله البصرى.
9- التسلق على الأم: يتسلق الطفل على أمه ويحافظ على التصاقه بها وهو يتسلقها ليكتشف خصائص جسمها وملابسها.
10- الاتباع: عندما يستطيع الطفل أن يزحف فإنه لا يصرخ فقط عندما ترحل أمه عنه بل يحاول أن يتبعها.
11- إخفاء الوجه في حجر الأم: يخفى الطفل وجهة في حجر أمه وهو يلتصق بها متسلقاً أو عندما يعود إليها من مكان قريب أو بعيد.
12- الالتصاق: عندما يجد الطفل نفسه بين ذراعى أمه فإنه يلتصق بها في شدة عندما تنظر إليه.
13- التحرك للاقتراب: عندما يستطيع الطفل أن يزحف، فإنه يصل بترحيبه إلى نهايته وذلك بإسراعه نحوها زاحفاً ليلقاها.
14- الاحتضان والتقبيل: يقابل الطفل ترحيب الكبار به باحتضانهم وتقبيلهم.
15- اكتشاف البيئة من قاعدة الأم الآمنة: عندما يستطيع الطفل أن يزحف فإنه ينطلق ليكتشف ما حوله ثم يعود إلى أمه بين الحين والآخر.
16- الهروب إلى الأم طالباً الأمن والنجاة: عندما يتعرض الطفل لما يثير في نفسه الخوف فإنه يسرع إلى أمه.
هذا، بالرغم من أن نتائج هذا البحث قد لا تصلح للتعميم من بيئة لأخرى إلا أنها تدل بوضوح على تعدد وتباين استجابات التعلق.
ولا شك في أهمية هذا البحث كمثال يحتذى في البيئات الأخرى وكمؤشر لأهم خصائص ظاهرة التعلق وخاصة وأن سلوك الطفل الإنسانى أكثر مرونة من سلوك أطفال الحيوانات المختلفة، ولهذا فهو أكثرها قابلية للتغير تبعاً لزيادة السن وتبعاً لاختلاف البيئات.
هذا، وبالرغم من اختلاف مسالك هذه الأنماط وتعددها إلا أنها جميعاً تهدف إلى غاية واحدة هي تحقيق الجوار على أنه أهم وظائف التعلق. وهذا يعنى أن التعلق قد يتخذ أي صورة من الصورة السابقة وقد يجاوزها إلى صور أخرى جديدة لتحقيق الجوار.

لتعلق فى المراحل الأولى من عمر الطفل

* مراحل التعلق:
يميز الطفل منذ بدء حياته بين المثيرات البيئية المختلفة المحيطة به ويعد هذا النوع من التمييز الأساسى الأول لطور التعلق خلال مرحلة المتتابعة ويستجيب الطفل بصفة خاصة للمثيرات التي تصدر عن الأفراد الآخرين أكثر مما يستجيب للمثيرات التي تصدر عن الأشياء الأخرى فيستجيب مثلا للمثيرات السمعية التي تصدر عن أقوال وأصوات الأفراد الآخرين، ويستجيب للمثيرات البصرية التي يشعر بها وهو ينظر لأوجه الناس، ويستجيب للمثيرات اللمسية الحركية التي يجس بها عندنا يلمس أيدى وأذرع وأجسام الكبار. ومن هذه المثيرات والاستجابات البسيطة تبدأ عمليات التمييز الفارق المعقد التي تتطور بعد ذلك إلى مراجل متتابعة للتعلق.
ويعد البحث الذى أجراه شيفر Schaffer وأميرسون Emerson سنة 1965 من أهم الأبحاث التجريبية التي تصدت للكشف عن مراحل التعلق. ولقد قام الباحثان بدراسة طولية تتبعاً فيها تغير مظاهر سلوك التعلق للأطفال من الأسابيع الأولى للميلاد إلى 18 شهراً. وكانت الأداة التي استخدماها هي قياس استجابة الطفل متدرجة من التعلق إلى تعلق حاد بالنسبة لسبعة مواقف انفصال مثل ترك الطفل وحدة في الحجرة. وكان الباحثان يهتمان بالأعمار التي تحدد التعلق الاجتماعى، وشدة هذا التعلق وموضوعه، والمتغيرات التي تتصل بالفروق الفردية. وأكدت نتائجهما أهمية النمو الإدراكى في تغير مظاهر التعلق خلال مرحلة المتتابعة. وأن بعض الأطفال يتعلقون بفرد واحد، والبعض الآخر يتعلق بأفراد متعددين.
وقد توصل الباحثان إلى علاقة واضحة بين سرعة استجابة الأم لبكاء الطفل وشدة تعلقه بها، وخاصة في سن 18 شهراً. وأن التعلق يرتبط ارتبطاً موجباً بنوع المبادرة التي تصدر عن الأم في تفاعلها مع الطفل. ومن أغرب ما كشفت عنه هذه التجربة أن 39% من الحالات كان تعلقها بشخص أخر غير الذى يقوم بالغذاء والعناية بالأطفال. وأن 22% منها لا ترتبط بتحقيق الرغبات المادية البدنية.

وتشير نتائج هذا البحث والدراسات التي قام بها بولبي Bowlby ونتائج الأبحاث الأخرى على أن التعلق أربع مراحل أساسية تتلخص فيما يلى:
1- المرحلة الأولى: وتعد هذه المرحلة مقدمة للتعلق وإرهاصاً له، وتتمثل في التوجه العام للآخرين دون أي تمييز فارق، حيث يتفاعل الطفل مع الآخرين دون أن يفرق في تفاعله بين فرد وآخر. ويعتمد الطفل في توجهه نحوهم على المثيرات السمعية، وتستمر هذه المرحلة منذ بدء الحياة حتى ما يقرب من نهاية الأسبوع الثانى عشر.
2- المرحلة الثانية: وتتميز بالتوجه نحو شخص بالذات. وفى هذه المرة يظل اهتمام الطفل بمن حوله كما كان في المرحلة الأولى ولكنه يهتم أكثر بأمه. وتبدأ هذه المرحلة في الأغلب والأهم بعد الأسبوع الثانى عشر، وتستمر هذه المرحلة حتى نهاية الشهر السادس.
3- المرحلة الثالثة: مرحلة الجوار من الأم والتقرب لها والاستعانة بها كقاعدة للتحرك منها والعودة إليها. وبذلك تقوى علاقة الطفل بأنه وتضعف علاقته بالآخرين، فيصيح عندما تبعد عنه ويرحب بها عندما تعود إليه. وينظر الطفل إلى الأغراب بمنتهى الحيطة والحرص بل والخوف أحياناً. وغالباً ما تبدأ هذه المرحلة فيما بين الشهر السادس والسابع من عمر الطفل، وقد تتأخر في بعض الحالات إلى نهاية السنة السنة الأولى في حياة الطفل. وغالباً ما تستمر هذه المرحلة خلال السنة الثانية والسنة الثالثة.
4- المرحلة الرابعة: مرحلة تكوين العلاقات الاجتماعية مع الآخرين وتبدأ بنظرة الطفل إلى أمه على أنها كائن مستقل عنه، ثم يفهم بالتدريج لماذا تقبل عليه ولماذا تبعد عنه، وبذلك يدرك بطريقة أو بأخر ما تسعى إليه أمه وكيف تحقق لنفسها ما ترجوه. أي أنها بمعنى آخر يفهم عن أمه مشاعرها ودوافعها، وبذلك تتحول علاقته بها إلى علاقة الصاحب. ومن هذا المنطلق تبدأ علاقات الطفل الاجتماعية مع الآخرين تتخذ وجهتها الصحيحة. وتبدأ هذه المرحلة في الأغلب والأهم في نهاية السنة الثانية، وقد تتأخر عند بعض الأطفال إلى نهاية السنة الثالثة.
وإذا نظرنا إلى التعلق من منظور هذه المراحل فإننا نستطيع أن نقرر أن الطفل في المرحلة الأولى لا يسفر عن مظاهر التعليق، ويسفر عن هذا التعلق في المرحلة الثالثة أما عن المرحلة الثانية فهى مزيج من التعلق والانفصال.

التعلق فى المراحل الأولى من عمر الطفل

* عوامل شدة التعلق:
تواترت نتائج الأبحاث المختلفة على أن من أهم العوامل التي تحدد مدى شدة تعلق الطفل بالأفراد الآخرين: درجة أحساس الأم بمسئولياتها كما يظهر هذا الإحساس في سرعة تلبيتها لصياح الطفل بحمله والاهتمام به، وطول الزمن الذى يقضيه الكبار مع الطفل ومدى اهتمامهم به، وملامسة جسم الطفل لجسم أمه وخاصة ما يتصل منه ومنها بالرضاعة، وبعد وجه الأم بل وحتى وجودها بالقرب منه من أهم العوامل التي تؤثر في شدة التعلق حتى أن مجرد ظهورها أمام طفلها يهدئ من روعة ويطمئن خاطره، وعندما ينفصل الطفل عن أمه يبكى ويصيح في احتجاج واضح، ثم يتحول سلوكه عندما تطول مدة انفصاله عنها إلى السلبية والانسحاب والتباعد عن الأفراد الآخرين. وتدل انفصاله عنها إلى السلبية والانسحاب والتباعد عن الأفراد الآخرين. وتدل الأبحاث التي أجريت على الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم أو فصلوا عنهم لأمر ما مثل الطلاق أو الموت أو لأى سبب آخر على أن مثل هؤلاء الأطفال يصابون بالكآبة وتضعف صحتهم وتنهار إلى حد الموت في بعض الحالات.

* المراجع:
  • "Attachment Theory" - "simplypsychology.org".
  • "Attachment And Separation" - "naturalchild.org".
  • "What is Secure Attachment and Bonding?" - "helpguide.org".
  • "Childhood attachment" - "ncbi.nlm.nih.gov".
  • ارسل ارسل هذا الموضوع لصديق

  • تقييم الموضوع:
    • ممتاز
    • جيد جداً
    • جيد
    • مقبول
    • ضعيف
  • إضافة تعليق:

تابعنا من خلال

فيدو على الفيسبوك فيدو على التويتر

نشرة الدورية

© 2001 جميع حقوق النشر محفوظة لشركة الحاسبات المصرية
Designed & Developed by EBM Co. صمم وطور بواسطة شركة الحاسبات المصرية