نشرة الدورية

للاشتراك، أدخل بريدك الإلكتروني

الجوّ الأسرى للمراهق
الجوّ الأسرى للمراهق
الطفولة السليمة هى الأساس لحياة الإنسان فيما بعد فى كل ما يسلكه من تصرفات، ومقدمة لحياته التي سيعيشها فيما بعد أثناء فترة المراهقة ومن بعدها فترة الشباب.

لاشك أن الأسرة التي توفر الحب والثقة لأبنائها تمتلك القدرات لتوفيره أيضاً فى كافة مراحلهم الأخرى – لكنه ليس بالضرورة أمراً مفروغاً أو حتمياً – والعكس صحيح أيضا، فالأسرة التي تسيء إلى طفلها فهي تستمر فى الإساءة إليه فى فترة مراهقته وشبابه .. ومرة أخرى ليس هناك حتمية فى حدوث ذلك.

كثيراً ما تكون أخطاء التربية فى الطفولة حافزاً على أن يعيد الآباء النظر فى طريقة المعاملة فيقدمان رعاية أفضل للابن فى شبابه بطريقة تعوض ما افتقده فى الطفولة، بل يمكن أن نضيف أن هناك أحياناً أسرة تصلح لرعاية طفل فإذا ما كبر عجزت عن مواجهة التغيرات التي تحدث له وتستمر فى معاملته كطفل، وهناك الأسر التي لا تتحمل الأطفال لكنها تستطيع التعامل بشكل أفضل مع المراهق والشاب.
الأساليب المتنوعة لتربية الطفل ..

الجوّ الأسرى للمراهق

* الأخذ والعطاء:
إذاً، ما هو الجو الأسرى المناسب للمراهقين؟
الأسرة المناسبة لتربية طفل تصلح لتربية مراهق، بل تنمو معه وتتعلم وتغير من طريقتها وأساليبها فى التربية بمرور الوقت.
وبما أن مرحلة المراهقة مرحلة انتقالية ولهذا فهي تتطلب القدرة على التمييز بين متطلبات الطفولة ومتطلبات المراهقة، وهو تميز لا يعنى بالضرورة الفصل التام، فالطفل كان يحتاج إلى من يشبع رغباته ويقوم عنه بتوفير احتياجاته. والنمو يعنى الخروج من هذا النمط، أى أن يستقل ويحصل على احتياجاته بقوة ساعديه.
هذا الانتقال يعنى الاستمرارية فى توفير احتياجات الطفل وفى نفس الوقت حثّه على الاستقلال والاعتماد على النفس. فالطفل الذي كان يجوع ويُقَدم الطعام له صار شاباً يجوع فيساهم فى إعداد الطعام بيديه، أو يعاون الأسرة فى التحضير، وقد يشارك الأسرة فى شراء بعض احتياجات الطعام والإعداد والترتيب له.

الجوّ الأسرى للمراهق

لقد تذوق الطفل راحة خدمة أسرته له، ويمكنه أن يتمسك بهذه الراحة فيستمر سلبياً متلقياً لها، والأسرة التي لا تريد أن تعترف بنمو طفلها قد تستمر فى معاملته على هذا النمط، ويتفق الطرفان على استمرار هذه الحالة، فلا الشاب يتعلم كيف ينمو ولا كيف يساهم إيجابياً ويشارك أو يعطى. ونجد طفلاً آخر رضي بما أخذه من راحة خدمة أسرته له، وصار يأمل فى أن يجد الفرصة فى أن يعيد الدين فيرحب بالدور الجديد ويُقبل على تعلم الاستقلالية وما يصاحبها من عطاء ومشاركة .. وهو بذلك يجد الجو المناسب الذي يوفر له فرصة النمو والمشاركة. وهناك طفل آخر أدمن أن يكون المتلقي السلبي، وأسرته لا ترضى بأن يستمر هذا الوضع، فتطلب منه المساهمة وتدخل معه فى صراع، فالأسرة تريد منه ما لا يريد هو أن يقدمه فيثور ويرفض.
ونجد طفلاً على النقيض لم ينعم بدرجة كافية براحة خدمة أسرته له، فقد كانت الأسرة تدفعه وتحثه فى سن مبكرة على خدمة نفسه، فلم يحن أوان الاستقلال ويُطالب بأن يخدم نفسه، نجده يرفض ويطالب بحقه الموروث القديم الذي لم ينعم به.

هذه نماذج تمثل معادلة بين شخصية الطفل كما تكونت بفعل تربية الأسرة له بالإضافة إلى مكوناته الوراثية وواقعه الجديد وما تطالبه به الأسرة من واجبات وتوفره له من حقوق. فطفل يروقه الراحة وأسرة تستمر فى توفيرها فلا ينمو، مقابل طفل يريد النمو متحملاً عناءه وتفرض عليه أسرته الواجبات، وطفل يستحق الراحة التي لم يذقها والواقع يفرض عليه الحرمان.

والجو الأمثل الذي يوفر فرصة النمو للطفل يكون بدون فرض النمو عليه فرضاً. الأسرة تتحسس موقع طفلها واحتياجاته وتقدم له ما يلائمه، وما قد يصلح لطفل قد لا يصلح لآخر، وما قد يصلح لطفل يوماً قد لا يصلح له فى اليوم المقبل. والشاب الذي كان بالأمس يشبع حاجاته بغير جهد منه فى حاجة إلى أن يُعد ليكون فى الغد راشداً يشبع غيره، وفى مرحلة الانتقال فهو يتعلم كيف يشبع نفسه ويخدم ذاته. ومثلما تعلم الطفل كيف يتلقى ومثلما تعلم كيف يأخذ وهو شاب، صار عليه أن يشارك ويعطى، وهذه الخطوة الانتقالية تحتاج إلى قدرة على الانتقال بسلاسة بين موقع وآخر .. والخلاصة أن التمييز بين الأخذ والعطاء يختفي .. فالفرد يعطى وهو يأخذ ويأخذ وهو يعطى.

إن المراهق الشاب الذي اعتاد أن يشبع وهو طفل عليه أن يتعلم كيف يُحرم – إنه يحتاج إلى الحرمان – ومن هنا نجد التناقض الذي كثيراً ما يوقعنا الشاب فيه، فهو يريد ولكن إذا أشبعناه فوراً يحتج لأنه حرم من احتياج آخر مناقض وهو احتياجه إلى أن يُحرم ويُمنع، إنه يطلب ولكنه فى قرارة نفسه يتوقع بل ويحتاج إلى أن تُرفض بعض طلباته. والحيرة التي تنتابنا هى أننا نسمع الظاهر وهو ما يطالب به ونغفل عن الباطن وهو حاجته إلى أن يجد فينا السلطة التي تعاونه على كبح جماح رغباته. إنه يعارض سلطتنا، ولكن فى داخله مطلب عميق هو ألاّ تنجح ثورته تماماً فيطيح بهذه السلطة، لأنه على الأقل يريد أن يثور عليها فإذا حرمناه منها تماماً حرمناه من فرصة الثورة أصلاً.

الجوّ الأسرى للمراهق

* الصراع الأسرى:
تلك هى الصورة الشائعة، ووجود الصراع الطبيعي بين الجيلين يبدأ فى سن المراهقة ويصل إلى ذروته فى الشباب وينتهى بالرشد. والجيل الذي يتصارع معه الشباب هو جيل الآباء فى الدرجة الأولى الذين يتولون زمام الأمور، أما الأجداد الذين تركوا السلطة فهم أقرب إلى التحالف مع الشباب. هذا الصراع طبيعي ومصدر شكوى .. ويرقى إلى مرتبة الإيجابية حينما يكسب الطرفان. ويكون مفهوم الصراع راقياً طالما يكسب طرفاه، ويختلف عن الصراعات الأخرى حيث الخسارة الحتمية على الأقل لأحد الطرفين.

إن صراع الأبناء مع الآباء يمكن أن يكون صراعاً راقياً لا يقهر طرفاً ولا يتمرد طرف على آخر، إنه يرقى إلى درجة تجعله ينتقل كيفياً من حالة تتصف بأنها صراع إلى حالة تتصف بأنها حوار. والحوار أرقى أنواع الصراع لكنه لا يرادف الاستسلام، فالطرفان كيانان مستقلان كل يمارس وجوده ويدافع عنه، ولكنهما نضجا بما جعلهما يتقبلان الوجود المنفصل والمستقل لكل منهما .. إنهما وصلا إلى حالة من الرقى فى الوعي ما يجعلهما يدركان أن كلا منهما حر ومستقل فى مواجهة الآخر.

الأسرة الصالحة تسمح بهذا الصراع بين الجيلين، ولكنها لا تسمح بأن يكون صراع للتدمير المتبادل الذي يتحول إلى التدمير الذاتي فيما بعد للطرف المنتصر، فالأسرة التي تتسلط وتكبح ثورة الشاب الذى تفسره فى صورة الانتصار لها والهزيمة للشاب فهي أسرة تنجب أبناء مقهورين وذرية ضعيفة .. وقد يستسلم المراهق مؤقتاً إلى أن يحين وقت الثورة وتستمر علاقة القاهر والمقهور ولكن معكوسة.
إن المراهق الشاب ثائر بطبعه ويحتاج إلى من يتصارع معه، ولكن المعادلة المثلي حيث تتقابل الأدوار، فينجح الشاب فى بعث بعض الشباب فى أبيه والأب فى بعث الرشد فى إبنه .. بحيث يتقابلان فى وسط الطريق أو عند نقطة أفضل من التي بدأ فيها.
والجو الأسرى المثالي، بل الأمثل، هو السماح للطفل بأن ينمو من خلال المراهقة والشباب فى اتجاه الرشد، هو ذلك الجو الذي يسمح بالتميز بين قطبي الصراع – الآباء والأبناء – دون أن يصل الأمر إلى حد الانفصال المعادى إنه الذوبان التام. إنه لا يُنكر وجود الصراع بل يواجهه ويروضه حتى يرتقى به إلى صراع ينمى قوة جميع أطرافه، إنه الاختلاف فى ظل الحد الأدنى من الاتفاق، إنه الحوار.

الجوّ الأسرى للمراهق

* الأسرة والمراهق:
الأسرة هى النموذج المصغر للمجتمع، بل وهى المدرسة التي تخرج أفراد المجتمع الذين يحافظون على تراثه واستمراره. والمجتمع الذي لا ماض له يستدل به وهو يتعامل مع الحاضر فى طريق السعي إلى المستقبل هو مجتمع بلا هوية ضائع بلا هدف. لهذا فإن هناك تعاوناً متبادلاً بين الأسرة والمجتمع، فالأسرة هى التي تخرج أفراداً للمجتمع يكملون بناءه.
القيم يملكها الوالدان، وهما يملكان مفتاح توزيعها على الأبناء .. والشاب الذي يعرف مكانته من السلطة بما فى ذلك معارضتها دون أن يتمرد ضدها يكافأ بالقيم بالإضافة إلى المال والاحترام. إن المطلب الأساسي للسلطة فى الأسرة هو كبح الرغبات والتحكم فى تلبية الاحتياجات. فالأسرة تُعلم الشاب الذي يخضع لرغباته أنه لا يستطيع أن يواظب بالاستمرار فى عمل يحقق بوساطته إنجازاً يعود عليه فى المدى الطويل بالقدرة على الاكتفاء الذاتي والاستقلال. والهدف من ذلك كله هو أن يتعلم الشاب أنه كي يصل إلى ما وصل إليه آباؤه عليه أن يعمل ويثابر ويصر ويؤجل رغباته ويرجئ طموحه فى الحصول على تلك القيم إلى حين يستطيع أن يدفع الثمن.

من هنا فإن الشخص الذي يستطيع أن يلبى مطالب السلطة الأسرية فى الخضوع دون أن ينكسر، أى أن يسلم بالأمر ولا يستسلم، سوف يجد نفسه غالباً وقد تمكن من ترويض رغباته وتوجيه طاقاته بالشكل العملي الذي يفيده ويفيد مجتمعه.

الجوّ الأسرى للمراهق

* الإخوة والمراهق:
الأسرة التي تتكون من عدد من الإخوة تنشأ بينهما علاقات بخلاف تلك المتواجدة بين الآباء والأبناء.
فقد يتمرد الابن الكبير – ولفترة أيضا يكون الابن الوحيد – على والديه للثقة بنفسه تجعله يظن فى فترة مبكرة أنه يستطيع أن يثور على سلطتهم ويستقل، لكنه سرعان ما يترك هذا التمرد لممارسة هذه السلطة على الأخ الأصغر له لظهور المنافس الجديد له حيث كان يتربع على العرش بمفرده.
المزيد عن علاقة الأخوات ببعضهم البعض ..
وهذا الابن عندما تخمد ثورته يكتشف أنه يمكنه أن يستسلم للسلطة الأبوية مقابل أن يفوّض من قبلها لممارسة السلطة على الشقيق الأصغر، ويصير الكبير ممثلاً للسلطة ويقوم بدور الأبوين وينوب عنهما فى أثناء غيابهما، ويترك دور التمرد الذي كان يحلم به يوماً ليمارسه شقيقه الأصغر. إنه يقهر التمرد فى شقيقه الأصغر بمثل ما قهر فى نفسه تمرده ضد أبويه، وكأنه يقول لنفسه: "ما دمت أنا فشلت فى تحقيق حلمي فلابد أن يفشل هو الآخر وإلاّ سأواجه بأنني استسلمت مقهوراً وليس مختاراً".

وبعد الأخ الكبير والأخ الثاني يأتى دور الشقيق الثالث ليقوم هو بدور التمرد الجديد، ويجد الشقيق الوسط وضعاً محيراً فى أنه يُحارب بسلاحين متناقضين، التمرد من قبل الشقيق الأصغر والقمع من قبل الأكبر، وهو حائر فى تحديد هويته، وهو أيضا قد يتحالف مع الشقيق الأكبر ضد الأصغر، أو قد يتحالف الصغار كلهم ضد الشقيق الذي يكبرهم فى السن جميعاً.

فليس هناك أحد باستطاعته تحضير الطفل للبلوغ أفضل من أهله، وعلى الأسرة الانتباه إلى أن البلوغ هو أزمة حياة الفتى أو الفتاة. إنها مرحلة نضوج سريع، وتصل إلى الحد المرضى تقريباً حيث تتطلب من الأهل العطف والذكاء فى التعامل معها، عليهم أن يعتبروا هذه الفترة كأنها أزمة مشتركة بينهم وبين الفتى أو الفتاة ينتظرون نتيجتها. إنها مرحلة تبدل غير أنها الفترة التي يضمن فيها معظم الأهل أبناءهم.
المزيد عن البلوغ ..
ليكن الأهل والمربون صادقين فى تصرفاتهم، ليتذكروا أوان بلوغهم، وليتذكروا القضايا التربوية المشوهة التي تشربوها فى طفولتهم، وليحاولوا أن ينجوا أطفالهم منها، وليقولوا أن الآلام التي عانينا منها فى طفولتنا بسبب الجهل سنحذفها من حياة أطفالنا ..
النمو الطبيعي للطفل ماراً بالمراهقة والشباب فى اتجاه الرشد، يمكن أن يمر بيسر إذا كان الطفل معداً منذ الطفولة.

* المراجع:
  • "The Role of the Family in Adolescent Development" - "cyfernet.org".
  • "Family and Adolescent Well-being" - "familyfacts.org".
  • "Child, Adolescent and Family Mental Health" - "casaservices.org".
  • "Adolescent and Family Health" - "youthpolicy.org".
  • ارسل ارسل هذا الموضوع لصديق

  • تقييم الموضوع:
    • ممتاز
    • جيد جداً
    • جيد
    • مقبول
    • ضعيف
  • إضافة تعليق:

تابعنا من خلال

فيدو على الفيسبوك فيدو على التويتر

نشرة الدورية

© 2001 جميع حقوق النشر محفوظة لشركة الحاسبات المصرية
Designed & Developed by EBM Co. صمم وطور بواسطة شركة الحاسبات المصرية